في زمنٍ تتكاثر فيه الضغوطات النفسية وتزداد مشاعر الخوف والقلق لدى كثير من الناس بسبب الحروب والظروف الصعبة، يبحث الإنسان عن وسائل تساعده على استعادة توازنه الداخلي والاتصال بذاته من جديد. من هنا تبرز أهمية اليوغا والتأمّل وتمارين التنفّس كأدواتٍ بسيطة ولكن عميقة الأثر في تهدئة العقل وتخفيف التوتر.
المدرّبة صوفي دبيان، المتخصصة في اليوغا والتأمّل وتمارين التنفّس، تسعى من خلال عملها إلى مساعدة الناس على إيجاد لحظات من السكون والوعي وسط ضجيج الحياة اليومية، وإلى إعادة الاتصال بالجسد والنفس عبر ممارسات تجمع بين الحركة والتنفس والوعي الداخلي.
في هذا الحوار، تحدّثنا صوفي دبيان عن البعد الحقيقي لليوغا، وعن رحلتها في برنامج “شفاء الشاكرات”، كما قدّمت نصائح عملية لكل من يرغب في البدء بهذه الممارسة.
• في ظلّ التوتر والخوف الذي يعيشه كثير من الناس اليوم بسبب الحرب، إلى أي مدى يمكن لليوغا والتأمّل أن يساعدا في تهدئة العقل وإيجاد لحظات من السلام الداخلي؟
في أوقات الحرب والضغط النفسي غالباً ما يشعر الإنسان بأنه فقد الإحساس بالأمان والسيطرة على حياته. هنا يأتي دور اليوغا والتأمّل كأدوات تساعد على إعادة التوازن الداخلي. فاليوغا ليست مجرد حركة للجسد، بل وسيلة لتهدئة الجهاز العصبي، وتخفيف التوتر، وتنظيم التنفّس، وهذا ينعكس مباشرة على حالة العقل والمشاعر.
أحياناً لا نستطيع تغيير ما يحدث حولنا، لكن يمكننا أن نخلق داخلنا مساحة من الهدوء والثبات. هذه اللحظات من الصمت والوعي تساعد الإنسان على البقاء متصلاً بنفسه وجسده وتنفسه، وعلى تذكّر أن السلام الداخلي ما زال موجوداً في داخله مهما اشتدت الظروف.
• كثيرون يعتقدون أنّ اليوغا مجرد تمارين جسدية، برأيكِ ما البعد الحقيقي لليوغا في حياة الإنسان؟
اليوغا أعمق بكثير من مجرد تمارين جسدية كما يظن البعض. صحيح أن الحركة الجسدية هي الخطوة الأولى، وهي مهمة، لكنها في الحقيقة مدخل إلى رحلة وعي أوسع تقوم على الاتصال بين الجسد والعقل والتنفس والطاقة الداخلية.
تعلّمنا اليوغا كيف نهدأ، وكيف نلاحظ أفكارنا من دون أن ننجرف معها، وكيف نتنفس بوعي ونعيش بتوازن أكبر. البعد الحقيقي لليوغا هو أنها تساعد الإنسان على العودة إلى ذاته، وإلى حضوره الداخلي وقوته وسلامه العميق.
وغالباً ما ننسى هذا السلام بسبب ضغوط الحياة اليومية. كما أن اليوغا تذكّرنا بأهمية العيش في اللحظة الحاضرة، لأن الماضي لا يمكننا العودة إليه، والمستقبل لا نستطيع التحكم به، أما اللحظة الوحيدة التي نملكها فعلاً فهي اللحظة التي نعيشها الآن.
• أطلقتِ رحلة شفاء الشاكرات لمدة سبعة أيام، ما الهدف من هذا البرنامج وما الذي يمكن أن يكتشفه المشاركون خلال هذه الرحلة؟
برنامج “رحلة شفاء الشاكرات” الذي أطلقته يمتد لسبعة أيام، وهو مساحة عميقة ولطيفة تساعد الإنسان على العودة إلى ذاته. خلال هذه الرحلة نعمل على مراكز الطاقة السبعة في الجسد، والتي تُعرف بالشاكرات.
الهدف من البرنامج هو مساعدة المشاركين على فهم كل شاكرة: معناها، ووظيفتها، والمشاعر والصفات الحياتية المرتبطة بها. كما نتعلّم كيف نلاحظ أماكن الانسداد أو الاختلال الطاقي داخلنا، لأن هذا الاختلال قد يظهر أحياناً على شكل توتر نفسي أو عاطفي أو جسدي.
نركّز أيضاً على استعادة التوازن بين الجسد والمشاعر والطاقة، لأن التناغم بينها ضروري ليعيش الإنسان في حالة توازن. وخلال هذه الرحلة يتعلّم المشاركون وضعيات يوغا مخصّصة لكل شاكرة، وتمارين تنفّس، وحركات خاصة باليدين عبر تشكيلات الأصابع، إضافة إلى ترديد المانترا الخاصة بكل مركز طاقة، إلى جانب جلسات تأمّل مخصّصة لكل شاكرة.
ما يكتشفه المشاركون في نهاية هذه الرحلة هو أن الشفاء الحقيقي يبدأ من الداخل، وأن الإصغاء الصادق إلى الذات وفهم احتياجاتها يسمح للطاقة بأن تتحرك بحرية أكبر داخلنا.
• ما النصيحة التي تقدمينها للأشخاص الذين يرغبون في البدء بممارسة اليوغا لكنهم لا يعرفون من أين يبدأون؟
أهم نصيحة لكل شخص يرغب في البدء بممارسة اليوغا هي أن يبدأ ببساطة ومن دون ضغط أو مقارنة مع الآخرين. فاليوغا ليست مرتبطة بالمرونة المثالية أو القدرة على أداء وضعيات معقّدة، بل هي قبل كل شيء علاقة مع النفس.
يمكن للمبتدئ أن يبدأ بجلسات قصيرة وبسيطة، حتى لو كانت عشر دقائق فقط يومياً، يركّز فيها على التنفّس. ومن المفيد أيضاً تعلّم الوضعيات الأساسية تدريجياً، واختيار معلّم يشعر معه بالراحة والأمان.
اليوغا ليست سباقاً، بل رحلة شخصية لكل إنسان إيقاعه الخاص فيها. وأجمل ما فيها أنها تبدأ بلحظة قرار صادق: أن يختار الإنسان الاعتناء بنفسه. في زمن مليء بالضغط والخوف، تصبح اليوغا حاجة أساسية لأنها تمنحنا مساحة نلتقي فيها مع أجسادنا وأنفاسنا ومع السلام الموجود داخلنا.
• ما التمرين البسيط في التنفّس أو التأمّل الذي يمكن لأي شخص أن يجرّبه يومياً للتخفيف من التوتر والقلق؟
من أبسط وأقوى التمارين التي يمكن ممارستها يومياً هو التنفّس الهادئ العميق مع إطالة الزفير، خصوصاً للأشخاص الذين لا يعرفون تقنيات التنفّس في اليوغا.
الطريقة بسيطة: نأخذ شهيقاً عبر الأنف لمدة أربع عدّات، ثم نزفر ببطء عبر الأنف أو الفم لمدة ست إلى ثماني عدّات. نكرّر هذا التمرين مع التركيز على التنفّس لمدة ثلاث إلى خمس دقائق.
هذا التمرين فعّال لأن إطالة الزفير ترسل إشارة مباشرة إلى الجهاز العصبي في الجسم بأننا في حالة أمان، ما يساعد تدريجياً على تخفيف التوتر وتهدئة القلب والعقل.
ويمكن إضافة لمسة تأمّل بسيطة عبر ترديد عبارة داخلياً مع التنفّس مثل:
“أنا هنا…أنا هنا بأمان…أنا أتنفّس.”
شاهد أيضاً
الأخصائية النفسية ستيفاني الأشقر: هكذا تؤثر أجواء الحرب على الكبار والصغار…وهذا هو الحلّ!
تفرض الحروب والأزمات التي يشهدها العالم اليوم، وخصوصًا في لبنان، ضغوطًا نفسية كبيرة على الأفراد …
Awael News Magazine رئيس التحرير: عادل سميا
