ملكة محمد الحلبي – لبنان دكتورة في القانون الخاص وباحثة قانونية
عضو في مبادرة القانون الدولي الإنساني والشباب
في النزاعات المسلحة، لا تُقاس الخسائر البشرية بعدد القتلى والجرحى وحدهم، بل تمتد لتشمل الحقيقة التي تُدفن تحت الركام، والشهادات التي تُطمس قبل أن تصل إلى العالم، والأصوات التي تُسكت في اللحظة التي تحاول فيها كشف ما يجري على أرض المعركة. ففي الوقت الذي تنشغل فيه الأنظار بتطورات العمليات العسكرية، يقف الصحفيون في قلب الخطر، حاملين كاميراتهم وأقلامهم، في محاولة لتوثيق الوقائع، ونقل معاناة المدنيين، وكشف الانتهاكات التي قد تبقى، لولا عملهم، بعيدة عن أعين المجتمع الدولي. غير أن المفارقة الأكثر إيلامًا تكمن في أن من يتولون نقل الحقيقة قد يصبحون هم أنفسهم أهدافًا للعنف الذي يسعون إلى توثيقه.
إن حماية الصحفيين في النزاعات المسلحة لا تمثل مجرد التزام يتعلق بسلامة العاملين في القطاع الإعلامي، بل تشكل ضمانة أساسية لحماية الحق في المعرفة، وحرية التعبير، وصون الذاكرة الإنسانية، وضمان إمكانية توثيق الانتهاكات وملاحقة مرتكبيها. فالاعتداء على صحفي لا يعني خسارة حياة إنسان فحسب، بل قد يؤدي أيضًا إلى تغييب شهادة كان يمكن أن تكشف جريمة، أو تحفظ دليلًا، أو تسهم في تحقيق العدالة.
لم تعد المخاطر التي يواجهها الصحفيون في مناطق النزاع مجرد وقائع متفرقة، بل أصبحت تعكس أزمة متنامية في احترام قواعد الحماية القانونية وفي ضمان المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة بحقهم.
وفي هذا السياق، تكشف أحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، الصادرة في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، عن واقع بالغ الخطورة؛ إذ سُجل مقتل 189 صحفيًا وعاملًا في المجال الإعلامي خلال عامي 2024 و2025، بزيادة بلغت 20% مقارنة بالفترة السابقة (2022-2023).
وتزداد خطورة هذه الأرقام عند التوقف أمام طبيعة أماكن وقوع الجرائم؛ فقد قُتل 127 صحفيًا في مناطق النزاع، أي ما يعادل 67% من إجمالي الضحايا خلال الفترة المذكورة. كما تكشف البيانات عن تصاعد التهديدات المرتبطة بالتكنولوجيا العسكرية الحديثة، إذ قُتل 50 صحفيًا نتيجة ضربات الطائرات المسيّرة في مناطق النزاع، فيما قُتل 15 صحفيًا رغم ارتدائهم سترات صحفية أو وجودهم في مركبات تحمل علامات إعلامية واضحة.
ولا تتوقف المؤشرات عند هذا الحد، إذ تشير بيانات اليونسكو إلى مقتل 14 صحفية خلال الفترة نفسها، 93% منهن أثناء تغطية النزاعات المسلحة، الأمر الذي يعكس حجم المخاطر التي تواجه النساء العاملات في المجال الإعلامي في البيئات التي تشهد أعمالًا قتالية.
أما المؤشر الأكثر إثارة للقلق، فيتعلق باستمرار الإفلات من العقاب؛ فقد ارتفعت نسبة جرائم قتل الصحفيين التي لم تُحسم قضائيًا إلى 86%، بعدما كانت 85% في التقرير السابق. وبذلك، لا تكشف الأرقام عن ارتفاع عدد الضحايا فحسب، بل عن تراجع فعالية المساءلة أيضًا، بما يطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة النظام الدولي على تحويل الحماية القانونية من نصوص معلنة إلى ضمانات فعلية.
وتشير اليونسكو كذلك إلى توثيق سبع حوادث استُهدف في كل منها عدد من الصحفيين وقُتلوا في هجوم واحد، بما يبرز خطورة الهجمات التي تطال المؤسسات الإعلامية ومراكز العمل الصحفي.
إن دلالة هذه الإحصاءات تتجاوز بعدها الرقمي؛ فهي تكشف عن اتساع الفجوة بين الالتزامات القانونية الدولية والواقع الميداني، وتؤكد أن الخطر لم يعد مقتصرًا على التعرض العرضي لأعمال القتال، بل بات يثير مخاوف جدية بشأن استهداف العاملين في الإعلام، حتى عندما تكون هويتهم المهنية واضحة. كما أن ارتفاع نسبة الإفلات من العقاب يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى جدية التزامه بحماية الصحفيين وضمان عدم تحويل نقل الحقيقة إلى مخاطرة قد تنتهي بالموت.
يشكل القانون الدولي الإنساني الإطار القانوني الأساسي الذي ينظم سلوك أطراف النزاعات المسلحة، ويهدف إلى الحد من آثار الحرب وحماية الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، أو الذين كفّوا عن المشاركة فيها.
وفي هذا الإطار، يتمتع الصحفيون الذين يؤدون مهامهم المهنية في مناطق النزاع بصفة المدنيين، ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، وبالتالي يستفيدون من الحماية المقررة للمدنيين بموجب القواعد الدولية ذات الصلة.
وقد أكدت المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف هذا المبدأ، إذ نصت على أن الصحفيين الذين يباشرون مهام مهنية خطرة في مناطق النزاع المسلح يُعدّون مدنيين، ويتمتعون بالحماية المقررة لهم بموجب القانون الدولي الإنساني، دون المساس بحق المراسلين الحربيين المعتمدين في الاستفادة من الوضع القانوني الخاص المنصوص عليه في اتفاقية جنيف الثالثة.
كما تكتسب المادة (4) من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 أهمية في هذا السياق، إذ تتناول المراسلين الحربيين الذين يرافقون القوات المسلحة دون أن يكونوا أفرادًا فيها، وتمنحهم، في حال وقوعهم في الأسر، حق المعاملة كأسـرى حرب متى استوفوا الشروط القانونية ذات الصلة.
ويعكس هذا الإطار القانوني اعترافًا واضحًا بأهمية الوظيفة الصحفية في أوقات الحرب، فالصحفي ليس طرفًا في النزاع لمجرد وجوده في منطقة العمليات العسكرية، ولا يفقد صفته المدنية بسبب طبيعة المعلومات التي ينقلها أو بسبب كشفه لانتهاكات قد تثير مسؤولية أحد أطراف النزاع.
ومن ثم، لا يجوز أن تتحول التغطية الإعلامية المستقلة أو توثيق الانتهاكات أو نقل شهادات الضحايا إلى مبرر لاستهداف الصحفي أو حرمانه من الحماية القانونية. فالعبرة في تحديد المركز القانوني للصحفي تكون بمدى انطباق القواعد القانونية عليه، وليس بمدى قبول الأطراف المتحاربة للمحتوى الإعلامي الذي يقدمه.
على الرغم من وضوح القواعد القانونية الناظمة لحماية الصحفيين، تكشف الممارسات الميدانية عن فجوة متزايدة بين النصوص والواقع. فالصحفيون يواجهون مخاطر متعددة، تشمل القتل والإصابة والاحتجاز والتهديد والاختفاء القسري، فضلًا عن تدمير المعدات والمؤسسات الإعلامية وفرض القيود التي تعيق وصولهم إلى المعلومات ومواقع الأحداث.
وتزداد خطورة هذه الانتهاكات مع تطور وسائل وأساليب القتال، ولا سيما استخدام الطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية الحديثة، التي باتت تطرح تحديات إضافية أمام حماية المدنيين والعاملين في المجال الإعلامي.
وفي هذا السياق، تكتسب الأرقام المتعلقة بمقتل صحفيين رغم وضوح هويتهم الإعلامية أهمية قانونية خاصة؛ إذ إن ارتداء السترة الصحفية أو وجود علامات واضحة على المركبة الإعلامية لا يشكل مجرد عنصر بصري، بل قد يكون قرينة مهمة عند تقييم ظروف الهجوم ومدى اتخاذ الاحتياطات اللازمة واحترام مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين.
ومن هنا يبرز تساؤل جوهري: ما جدوى الحماية التي يقررها القانون الدولي إذا لم تقترن بإجراءات عملية تمنع الانتهاكات، وتضمن التحقيق فيها، وتحدد المسؤوليات القانونية المترتبة عليها؟
فالالتزام بحماية الصحفيين لا يقتصر على الامتناع عن استهدافهم، بل يرتبط أيضًا باحترام القواعد التي تحظر توجيه الهجمات ضد المدنيين، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بهم، والتحقيق في الحوادث التي تثير شبهات جدية بشأن وقوع انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
ونجد انه لا تقتصر خطورة الاعتداء على الصحفيين على المساس بحقوقهم الفردية، بل قد ترتقي بعض الأفعال المرتكبة بحقهم إلى مستوى الجرائم الدولية، متى توافرت العناصر القانونية اللازمة لذلك.
فقد يشكل تعمّد توجيه هجوم ضد صحفي يتمتع بصفة المدني، ولا يشارك مباشرة في الأعمال العدائية، جريمة حرب وفقًا للقواعد المنطبقة على النزاع، متى ثبتت العناصر المادية والمعنوية المطلوبة.
وفي هذا الإطار، يجرّم نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، في المادة 8، تعمّد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين أو الأفراد المدنيين الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، وفقًا للأحكام المتعلقة بالنزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.
غير أن التكييف القانوني لكل واقعة يظل مرتبطًا بفحص ظروفها وأدلتها، وطبيعة الهدف الذي وُجه إليه الهجوم، ومدى توافر القصد الجنائي، والتمييز بين الاستهداف المتعمد والضرر العرضي الناتج عن هجوم قد يخضع بدوره لقواعد التناسب والاحتياطات الواجبة.
وتكمن أهمية هذا التمييز في ضرورة عدم الاكتفاء بالنتيجة المتمثلة في مقتل الصحفي، بل الانتقال إلى تحليل الظروف التي أحاطت بالاعتداء، وتحديد ما إذا كان الهجوم قد وُجه عمدًا ضد شخص مدني، أو ما إذا كان يشكل انتهاكًا آخر لقواعد القانون الدولي الإنساني.
كما أن المسؤولية الجنائية لا تقتصر بالضرورة على المنفذ المباشر للاعتداء، بل قد تمتد، بحسب الوقائع والأدلة والشروط القانونية المنطبقة، إلى الأشخاص الذين أمروا بارتكاب الجريمة أو ساهموا فيها، وكذلك إلى القادة والرؤساء الذين تتوافر بشأنهم شروط المسؤولية القيادية وفق نظام روما الأساسي.
إن الحماية القانونية لا تكتمل بمجرد الاعتراف بالصفة المدنية للصحفي، بل تتطلب وجود منظومة مساءلة قادرة على التحقيق في الاعتداءات وملاحقة المسؤولين عنها.
فالمساءلة ليست إجراءً لاحقًا لوقوع الانتهاك فحسب، بل تمثل أحد العناصر الأساسية لضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وتعزيز الأثر الردعي للأحكام التي تحظر استهداف المدنيين.
وفي هذا السياق، تتحمل المحاكم الوطنية المسؤولية الأساسية عن التحقيق والملاحقة القضائية ضمن اختصاصاتها، بينما يمكن للمحكمة الجنائية الدولية ممارسة اختصاصها وفقًا لشروط نظام روما الأساسي، ومبدأ التكامل الذي يجعل تدخلها مكملًا للاختصاص القضائي الوطني، وليس بديلًا عنه.
إلا أن الوصول إلى العدالة يصطدم بعقبات عديدة، أبرزها صعوبة جمع الأدلة في مناطق القتال، وتهديد الشهود، وتدمير مسارح الجرائم، وتعذر الوصول إلى مواقع الاعتداءات، فضلًا عن غياب التعاون الدولي أو وجود عوائق سياسية وقضائية تحول دون استكمال التحقيقات.
وتزداد خطورة هذه العقبات عند ربطها بإحصاءات اليونسكو التي تشير إلى أن نسبة 86% من جرائم قتل الصحفيين لا تزال من دون حسم قضائي. وهنا لا بد من التوضيح أن هذه النسبة تمثل المؤشر العالمي للإفلات من العقاب في قضايا قتل الصحفيين التي تتابعها المنظمة، ولا تعني أن 86% من حالات القتل المسجلة خلال عامي 2024 و2025 وحدهما قد أُغلقت من دون محاسبة.
إن استمرار هذه النسبة المرتفعة يعكس أزمة تتجاوز حدود النظام القضائي الوطني، لتطرح إشكالية جدية حول فعالية التعاون الدولي، ومدى توافر الإرادة السياسية اللازمة لضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم من المساءلة.
فالإفلات من العقاب لا يعني فقط تجنب الجناة للمحاكمة، بل يعني أيضًا حرمان الضحايا وعائلاتهم من معرفة الحقيقة والإنصاف، وإضعاف ثقة المجتمعات بقدرة القانون على حماية الحقوق الأساسية. كما أنه يرسخ مناخًا قد يشجع على تكرار الانتهاكات، ويجعل الصحفيين أكثر عرضة للخطر في ظل غياب ضمانات الردع والمحاسبة.
لا يمكن النظر إلى حماية الصحفيين بمعزل عن حماية الحق في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، إذ إن الوظيفة الإعلامية تشكل إحدى الوسائل الأساسية التي تمكّن المجتمعات من متابعة الأحداث وفهم تداعيات النزاعات المسلحة.
وقد كرس العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، في المادة 19، الحق في حرية الرأي والتعبير، بما يشمل حرية التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بمختلف الوسائل.
وتتضاعف أهمية هذا الحق في أوقات النزاعات المسلحة، عندما تشتد الحاجة إلى المعلومات الموثوقة، وتتزايد مخاطر التضليل الإعلامي وإخفاء الوقائع وتقييد الوصول إلى المعلومات.
ومن ثم، فإن الاعتداء على الصحفيين لا يقتصر أثره على الأشخاص المستهدفين، بل يمتد إلى المجتمع بأسره، الذي قد يُحرم من معرفة حقيقة ما يجري، ومن توثيق الانتهاكات التي تطال المدنيين، ومن تكوين رأي عام مستند إلى معلومات موثوقة.
وبهذا المعنى، فإن استهداف الصحفيين قد يتحول إلى اعتداء غير مباشر على حق المجتمع في المعرفة، وعلى قدرة المؤسسات الإعلامية المستقلة على أداء دورها الرقابي والإنساني، بما يجعل حماية الصحفيين جزءًا لا يتجزأ من حماية الحقوق والحريات الأساسية.
إن مواجهة المخاطر المتزايدة التي يتعرض لها الصحفيون تستوجب الانتقال من مرحلة التأكيد على المبادئ القانونية إلى مرحلة تفعيلها عمليًا، من خلال مجموعة من التدابير المتكاملة.
ويقتضي ذلك، بصورة أساسية:
إن هذه التدابير لا تمثل مجرد توصيات إجرائية، بل تشكل متطلبات أساسية لتحويل الحماية القانونية إلى واقع ملموس، ولضمان ألا تبقى القواعد الدولية مجرد التزامات مكتوبة لا تجد طريقها إلى التطبيق.
إن حماية الصحفيين في النزاعات المسلحة لم تعد مسألة مهنية أو إنسانية محدودة، بل أصبحت معيارًا لمدى احترام القانون الدولي الإنساني، ومؤشرًا على قدرة المجتمع الدولي على حماية الحقوق الأساسية في أكثر الظروف قسوة.
فالأرقام التي تكشف مقتل 189 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا خلال عامي 2024 و2025، ومقتل 127 منهم في مناطق النزاع، إلى جانب ارتفاع نسبة الإفلات من العقاب إلى 86%، لا تمثل مجرد إحصاءات عابرة، بل تعكس واقعًا قانونيًا وإنسانيًا يستوجب مراجعة جدية لآليات الحماية والمساءلة.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب النصوص القانونية، بل في ضمان احترامها وتطبيقها دون انتقائية، وفي الانتقال من الإدانة اللفظية للانتهاكات إلى التحقيق الجاد والملاحقة القضائية الفعلية.
فحين يُقتل الصحفي بسبب عمله، لا تُفقد حياة إنسان فحسب، بل قد تُفقد معه حقيقة كان يمكن أن تكشف انتهاكًا، وشهادة كان يمكن أن تحفظ حقًا، ودليل كان يمكن أن يسهم في محاسبة مرتكبي الجرائم.
لذلك، فإن حماية الصحفيين هي في جوهرها حماية للحقيقة وذاكرة الشعوب وحق المجتمعات في المعرفة، أما المساءلة فهي الاختبار الفعلي لجدية الالتزام بالقانون والعدالة الدولية.
فالحقيقة لا ينبغي أن تكون جريمة، والصحفي الذي يوثق الحرب لا يجوز أن يتحول إلى هدف لها، والعدالة التي لا تحاسب على استهداف ناقلي الحقيقة تظل عدالة منقوصة.
Awael News Magazine رئيس التحرير: عادل سميا
