في «بعدك»، تأليف وإخراج وتمثيل رالف معتوق، بمشاركة يمنى بو حنا في البطولة، لا يذهب المسرح إلى الموت بوصفه نهاية، بل إلى ما يتركه الموت خلفه: فراغًا يتّسع، وذاكرة ترفض أن تصمت، وحياةً تستمرّ رغم أن جزءًا منها لم يعد موجودًا.
والأجمل أن المسرحية لا تتعامل مع الغياب كفكرة مجرّدة، بل تمنحه جسدًا وصوتًا ووجهًا وحوارًا. هنا تحديدًا تكمن إحدى نقاط قوتها: نحن أمام حوار مع غائب، لكننا في الحقيقة أمام حوار طويل مع الذات.
عودة موفقة ليمنى بو حنا. صوت دافئ، تمثيل رقيق، وحضور يغرم به الضوء. فرغم الغياب الطويل، وما أصاب حضورها من ظلم ربما رافق أفول عصر التلفزيون وبزوغ فجر المنصات الإلكترونية، تبقى يمنى بو حنا من تلك الوجوه التي لا تحتاج إلى كثير من المساحة كي تملأها. في أدائها شيء من الحنين، وفي صوتها شيء من الذاكرة، وفي غنائها قدرة على الوصول إلى مكان أبعد من الكلام.
أما رالف معتوق، فيكتب ويخرج ويمثّل في آن، فيحمل شخصية «عاصي» بكل تناقضاتها: رجل عصى الحياة طويلًا، قبل أن يغلبه ضعفه. ومع انطفاء الضوء وتراجع الخفقان، نكتشف تدريجيًا أن «عاصي» ليس حاضرًا فعلًا، بل هو شبح الماضي في حياة يمنى؛ ذلك الغائب الذي رحل جسديًا، لكنه بقي ساكنًا في القلب.
«يا ريت بعدك…»
منذ هذه العبارة، تضع المسرحية إصبعها على الجرح. «يا ريت بعدك…» ليست مجرد أمنية باستعادة شخص، بل رغبة في استعادة زمن كامل كان هذا الشخص جزءًا منه.
ثم تأتي العبارة الأكثر اختصارًا لفلسفة العرض:
«الغياب بيبطّل شعور وبيتحوّل لشخص!»
هنا يتحوّل الغياب من حالة إلى كائن. يصبح له حضور، وملامح، وصوت، وربما أكثر من ذلك: يصبح شخصًا نعيش معه. وكأن الغائب، بعد أن يفقد وجوده المادي، يبدأ وجوده الحقيقي في داخلنا.
«شي مرة خبرتك كيف صار شكل الحياة بعدك؟»
سؤال موجّه إلى ميت، لكنه في جوهره سؤال إلى الذات: ماذا فعل بي رحيلك؟ كيف تغيّرت الأشياء بعدما اختفى الشخص الذي كان يمنحها معناها؟
ولعل أقسى ما في المسرحية أن هذا السؤال يبقى بلا جواب:
«كيف الحياة هونيك؟ بتشتاقو؟»
لا جواب.
لأن الموت هو الغياب الوحيد الذي لا يمكن للآخر أن يشرح لنا معناه.
في القسم الأكثر إنسانية من العمل، نقترب من عاصي الطفل، من مشاكله النفسية، من الألم الذي يتراكم بصمت إلى أن يقوده إلى قرار الانتحار:
«ما كان بدي موت، كان بدّي الكون يوقف شوي وتوقف مشاكله ويخف الوجع.»
ربما تختصر هذه الجملة المأساة كلها. فالإنسان الذي يفكر بالموت لا يكون بالضرورة راغبًا في انتهاء حياته؛ قد يكون راغبًا فقط في انتهاء الألم.
ومن هنا تأتي الرسالة الواضحة التي توجهها المسرحية إلى الأهل:
“اسمعوا ولادكن.”
لا تنتظروا أن يصبح الصمت صرخة، ولا أن يتحول الألم إلى قرار لا رجعة فيه. لكن الرسالة لا تتوقف عند الأهل؛ إنها تصل إلينا جميعًا. فلنصغِ أيضًا إلى تلك الـ«أنا» المتعبة، المختبئة في داخل كل واحد منا، قبل أن يصبح الصمت أقوى من قدرتنا على الاحتمال.
عبارات تقول أكثر مما تقول
في «بعدك»، الجمل ليست حوارًا فقط؛ إنها شظايا ذاكرة.
«قولكن كان بيعرف انو هلقد محبوب؟»
سؤال مؤلم عن قيمة الإنسان التي لا نكتشفها أحيانًا إلا بعد غيابه. كم شخصًا نحب ولا نقول له؟ وكم مرة نعتقد أن أمامنا وقتًا كافيًا لنقول ما يجب أن يُقال؟
وهذا تحديدًا ما تختصره العبارة:
«منفكر انو العمر طويل وعنا وقت… منختار نسكت!»
الوقت هنا ليس بريئًا. نحن الذين نؤجل، نحن الذين نصمت، نحن الذين نعتقد أن الغد مضمون. ثم يأتي الغياب ليخبرنا أن بعض الكلمات لها موعد أخير.
أما:
«عايشة بنص قلب… ما بتزبط حِب…»
فهي من أكثر العبارات اختزالًا لفكرة الفقد. فالحب، بعد الموت، لا ينتهي تمامًا، لكنه يتشوّه. نصف القلب يبقى هنا، والنصف الآخر عالق هناك، في مكان لا يمكن الوصول إليه.
ومن هذا الوجع تولد العبارة:
«صاير الواحد بيستحلي نهاية حلوة…»
كأن الإنسان، حين يعجز عن تغيير الحياة، يبدأ في تجميل نهاياتها. وربما هنا تكمن خطورة الذاكرة أيضًا: نحن لا نتذكر الأشخاص كما كانوا دائمًا، بل كما نحتاج أن نتذكرهم.
الموت الذي يأتي من الداخل
من أقسى الجمل:
«الموت هو اللي بيخطف الناس بالقوة، ما توقعتك تروح لعنده بإجريك.»
إنها مواجهة بين موتين: موت يأتي كقوة خارجية لا نملك ردّها، وموت يختاره الإنسان حين يشعر أن الألم أصبح أقوى منه.
لكن المسرحية لا تكتفي بالحكم على الفعل؛ بل تحاول فهم الإنسان الذي وصل إليه.
ثم تأتي:
«هالدني تقيلة وأنا أضعف من اني احملها.»
هنا لا يعود العالم مجرد مكان نعيش فيه، بل حملًا نفسيًا. والجملة لا تتحدث عن ضعف الإنسان بقدر ما تكشف حجم الثقل الذي يمكن أن يحمله وحده قبل أن ينهار.
وربما أكثر ما يوجع في الفقد ليس الموت نفسه، بل أن الحياة تستمر:
«اللي تعبني انو الحياة كمّلت بدونك.»
هذه الجملة تكاد تكون خلاصة المسرحية كلها.
نحن لا ننهار فقط لأن شخصًا رحل، بل لأن الشوارع بقيت في أماكنها، والناس تابعت حياتها، والشمس أشرقت في اليوم التالي، فيما نحن نريد من العالم أن يتوقف دقيقة واحدة احترامًا للغائب.
لكن العالم لا يتوقف.
وحدنا نتوقف.
ثم نحاول، ببطء، أن نتابع.
«عشت كل حياتي عم جمّل الأشيا.»
وهنا تدخل المسرحية إلى منطقة أكثر عمقًا: هل نحن نعيش فعلًا، أم نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا في تجميل ما يؤلمنا؟ هل نواجه الحقيقة كما هي، أم نضع عليها طبقة من الكلام الجميل كي نستطيع احتمالها؟
وفي النهاية، تأتي العبارة الأكثر قسوة:
«لو بعرف غيابك بيوجع هلقد ما كنت حبيتك من الاساس.»
لكنها ليست حقيقة. إنها جملة يقولها القلب حين يتعب.
فالحب لم يكن الخطأ.
والخطأ ربما كان الاعتقاد أن الحب يستطيع أن يحمي من الفقد.
بعدك… وبعدنا
«بعدك» ليست مسرحية عن الموت فقط. إنها عن الذين يبقون.
عن الأم التي لم تسمع بما يكفي.
عن الابن الذي لم يعرف كيف يقول وجعه.
عن الحبيب الذي رحل وترك خلفه أسئلة بلا إجابات.
وعن إنسان يحاول أن يعيش بقلب ناقص، فيما الحياة تطلب منه أن يكمل.
رالف معتوق يختار البساطة ليقول أشياء ثقيلة، ويمنح يمنى بو حنا مساحة تليق بحضورها، فتأتي الثنائية بينهما كحوار بين الحاضر والماضي، بين من بقي ومن رحل، وبين الإنسان وصورته التي لا يستطيع التخلص منها.
ولعل أجمل ما تفعله «بعدك» أنها لا تطلب منا أن ننسى الموتى، بل أن نتعلم كيف نعيش مع غيابهم.
فبعض الذين نحبهم لا يعودون.
لكنهم، بطريقة أو بأخرى، يبقون.
#خدوني_ع_قد_عقلاتي
د. روي ج. حرب
Awael News Magazine رئيس التحرير: عادل سميا
