
أقام الصحفي والكاتب حسام لبش في محافظة درعا ندوة حوارية بعنوان «بناء الوعي الإعلامي وترسيخ المسؤولية في تداول المعلومات»، بحضور عدد من مديري وممثلي مؤسسات القطاع العام، ومديريات الموارد البشرية والإعلام والأوقاف والشؤون السياسية، إلى جانب إعلاميين ومهتمين بالشأن العام.
وناقشت الندوة تحديات التضليل الإعلامي في ظل التدفق المتسارع للمعلومات عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، والتغيرات التي فرضها التطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي على صناعة المحتوى، وما أتاحه من إمكانات لإنتاج وتعديل الصور والأصوات ومقاطع الفيديو بصورة تجعل التحقق أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وأكد لبش أن سهولة الوصول إلى المعلومة لم تعد تعني بالضرورة سهولة الوصول إلى الحقيقة، مشيراً إلى أن التحدي الأساسي اليوم يتمثل في امتلاك الأدوات والوعي اللازمين للتمييز بين الخبر الموثوق والمعلومة المضللة.
وقال: «لم تعد مشكلتنا اليوم كيف نحصل على المعلومة، فالمعلومات تحاصرنا من كل اتجاه، وإنما كيف نعرف ما الذي يستحق أن نصدقه. ومن هنا تبدأ المسؤولية بالسؤال عن المصدر والدليل والسياق قبل النشر أو المشاركة».
وأوضح لبش أن مواجهة التضليل ليست مسؤولية الصحفي وحده، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد، وتمتد إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية والمجتمع، لافتاً إلى أن كل شخص يعيد نشر معلومة أصبح جزءاً من سلسلة صناعة وتداول المحتوى.
وشهدت الندوة نقاشاً تفاعلياً مع الحضور، تخلله استبيان حول طرق تلقي الأخبار والتعامل معها، ومدى التحقق من مصادرها قبل إعادة نشرها، إضافة إلى عرض نماذج توضح كيف يمكن لمعلومة غير مكتملة أن تتحول، عبر النقل المتكرر وإضافة التفسيرات، إلى خبر واسع الانتشار يتعامل معه البعض على أنه حقيقة.
كما تناولت الندوة ظاهرة استخدام الصور ومقاطع الفيديو خارج سياقها الحقيقي، وإعادة نشر محتوى قديم على أنه حديث، والتحديات المرتبطة بالمحتوى المنتج أو المعدل باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وأكد لبش في هذا السياق أن «وجود صورة أو فيديو لم يعد دليلاً كافياً بمفرده على صحة الرواية، فالمحتوى قد يكون حقيقياً بينما يكون المكان أو التاريخ أو السياق المرفق به مضللاً»، داعياً إلى العودة إلى المصدر الأصلي والتحقق من زمان ومكان المحتوى قبل اعتماده أو تداوله.
وحظي دور المؤسسات الحكومية بمساحة أساسية من الحوار، حيث ناقش المشاركون أهمية توفير المعلومات الدقيقة للجمهور، وتعزيز قنوات التواصل مع وسائل الإعلام، والاستجابة السريعة للشائعات والمعلومات المتداولة بما يسهم في الحد من الفراغ المعلوماتي.
وقال لبش: «حين تتأخر المعلومة الموثوقة، لا يبقى المكان فارغاً؛ غالباً ما تملؤه الإشاعة. لذلك فإن التواصل السريع والواضح بين المؤسسات والإعلام والمواطن ليس ترفاً، وإنما جزء أساسي من بناء الثقة وحماية المجتمع من التضليل».
وأشار إلى أن المطلوب ليس أن يشك المواطن في كل معلومة تصله، بل أن يمتلك ثقافة السؤال والتحقق، مؤكداً أن عدد المشاهدات أو المشاركات لا يمكن اعتباره معياراً للحقيقة، وأن تكرار الخبر في عشرات الحسابات قد يعود في الأصل إلى مصدر واحد غير موثوق.
وتطرقت الندوة كذلك إلى مسؤولية وسائل الإعلام في تحقيق التوازن بين سرعة النشر ودقة المعلومة، إذ شدد لبش على أن السبق الصحفي يفقد قيمته عندما يكون على حساب الحقيقة، وأن إعلان عدم اكتمال المعلومات في بعض الحالات أكثر مهنية من ملء الفراغ بالتوقعات والتفسيرات غير المؤكدة.
وقال: «نحن لا نحتاج إلى مجتمع يصدق كل شيء، ولا إلى مجتمع يشك في كل شيء؛ نحتاج إلى مجتمع يسأل: من قال؟ ما المصدر؟ أين الدليل؟ ومتى حدث؟».
واختتمت الندوة بحوار مفتوح مع المشاركين حول سبل تطوير العلاقة بين المؤسسات والإعلام والجمهور، وتعزيز ثقافة التحقق والمسؤولية في التعامل مع المحتوى الرقمي، بما يسهم في بناء بيئة إعلامية ومعلوماتية أكثر وعياً وموثوقية.
وأكد لبش في ختام اللقاء أن الهدف الحقيقي يتجاوز مواجهة إشاعة أو تصحيح خبر بعينه إلى بناء ثقافة مستدامة في التعامل مع المعلومات، قائلاً: «لا نريد جيلاً ينشر أكثر، بل جيلاً يتحقق أكثر، لأن الحقيقة مسؤولية مشتركة بين المؤسسة والإعلام والمواطن».
واختصر لبش رسالة الندوة بثلاث كلمات: «توقف.. تحقق.. ثم انشر».
Awael News Magazine رئيس التحرير: عادل سميا