لم أذهب إلى مسرحية «فتّة ومقلوبة» وفي ذهني مشروع ناقد مسرحي يراقب الإضاءة والإخراج والأداء ويبحث عن الثغرات. ذهبت، في الأساس، لأشجّع تلامذة صديقتي المخرجة رين صعب. لكن بعض العروض تفاجئك؛ تدخلها وفي بالك سبب، وتخرج منها وأنت تحمل سببًا آخر تمامًا.
منذ وصولي إلى «بيت ملكة»، شعرت أنني لم أدخل مسرحًا بالمعنى التقليدي، بل دخلت إلى بيت يشبه بيوتنا: وجوه تعرف بعضها، أهل وأصدقاء، ومناخ من الألفة يجعل المسرح أقرب إلى مساحة لقاء منه إلى صالة عرض. وربما كان ذلك أول مفتاح لفهم روح «فتّة ومقلوبة»: عرض لا يريد أن يضع مسافة بينه وبين جمهوره.
وبعد دقائق، انفتحت الستارة وظهر أحد هؤلاء التلامذة. حضوره كان لافتًا، ليس لأنه يحاول أن يبدو ممثلًا، بل لأنه لم يحاول أن يبدو كذلك أصلًا. في أدائه شيء من العفوية التي يصعب اصطناعها، وفي كوميديته خفة لا تحتاج إلى افتعال أو مبالغة. وهذه، في رأيي، واحدة من أصعب مهارات الكوميديا: أن تجعل المشاهد يضحك لأن الشخصية حقيقية، لا لأن الممثل يطلب منه أن يضحك.
ثم بدأت الحكايات تتوالى، وبدأ الأبطال يدخلون إلى عالم المسرحية، شيئًا فشيئًا، حتى وجدت نفسي أمام عمل يتجاوز فكرة «مسرحية تلامذة» إلى تجربة مسرحية تستحق أن تُقرأ بجدية أكبر.
ما يلفت في «فتّة ومقلوبة» هو قدرتها على الإمساك بالواقع من طرفه الأكثر يومية، ثم قلبه أمامنا على الخشبة. العنوان نفسه يحمل هذا المعنى: مفردتان من مطبخنا وذاكرتنا وبيتنا العربي، لكنهما تصبحان مدخلًا إلى عالم أكثر تعقيدًا. فالفتّة والمقلوبة ليستا مجرد طعام؛ هما استعارة لحياة يمكن أن تختلط فيها الأشياء، وتنقلب الأدوار، وتصبح المفارقة جزءًا من يومياتنا.
وهنا تأتي أهمية النص الذي كتبته نور رجب وماريا بشور. فالمسرحية لا تتكئ على الضحك باعتباره هدفًا وحيدًا، ولا تقع في فخ الكوميديا التي تنتهي بانتهاء النكتة. خلف المواقف الساخرة رسائل اجتماعية وسياسية، بعضها واضح وبعضها يأتي بالتلميح، والأهم أنها لا تُلقى على الجمهور كدرس أخلاقي.
وهذا تحديدًا ما أعجبني في العمل.
المسرح الجيد لا يعظك. يجعلك تكتشف.
أن تضحك، ثم تكتشف بعد لحظات أنك كنت تضحك على شيء يشبه حياتك، أو على عادة اجتماعية اعتدت عليها، أو على واقع سياسي عبثي، فهذه واحدة من أجمل وظائف الكوميديا. الضحك هنا ليس هروبًا من الواقع، بل طريقة أكثر ذكاءً لمواجهته.
وقد نجحت «فتّة ومقلوبة» في تحقيق هذه المعادلة إلى حد كبير: رأس يفكر، وقلب يشعر، ووجه يضحك.
والأجمل أن العرض لا يبدو كأنه يريد إثبات شيء. لا يستعرض ثقافته، ولا يصرخ بأفكاره، ولا يضع الجمهور أمام خطاب مباشر. يترك الأفكار تتسلل من بين المواقف والشخصيات، وهذا ما يجعل أثرها أكثر دوامًا.
أما الممثلون، فالمفاجأة الحقيقية بالنسبة إليّ كانت في هؤلاء الشباب والصبايا الذين يقفون على الخشبة بثقة وحضور، وبعضهم يمتلك، فوق الموهبة، ذلك الشيء الذي لا يمكن تعليمه بسهولة: الحضور المسرحي. هناك ممثلون قد يحفظون النص جيدًا، وهناك ممثلون يجعلونك تنسى أنهم يحفظونه. والفارق بين الاثنين هو الموهبة.
ومن هنا، أجد نفسي أمام سؤال يتجاوز «فتّة ومقلوبة» نفسها:
كم من موهبة لبنانية لا تزال تنتظر من يكتشفها؟
نحن في لبنان اعتدنا، إلى حد كبير، أن نبحث عن الأسماء المعروفة، وأن نكرر الوجوه التي أثبتت حضورها، وأن ننظر إلى المسارح والمؤسسات ذات السمعة باعتبارها المكان الطبيعي لاكتشاف النجوم. لكن التجارب الشبابية، والمدارس، والمعاهد، والمساحات الصغيرة، قد تكون في الحقيقة المختبر الذي تتكوّن فيه الأسماء القادمة.
ولذلك، أوجه دعوة صريحة إلى المنتجين اللبنانيين: انظروا أكثر إلى هذه المساحات.
لا أقصد أن نتخلى عن النجوم أو عن الأسماء المحترفة؛ بل أن نفتح الباب أمام جيل جديد. أن نذهب إلى المدارس والمعاهد والمسارح الصغيرة، إلى حيث يعمل الشباب بعيدًا عن الأضواء، لأن في لبنان جواهر حقيقية مخبأة، وبعضها يحتاج فقط إلى عين ترى، ومنتج يغامر، ومخرج يؤمن.
ورين صعب، من خلال هذه التجربة، تبدو وكأنها اختارت أن تفعل أكثر من إخراج عرض مسرحي. لقد أعطت مجموعة من الشباب فرصة الوقوف تحت الضوء، وأن تقول لهم عمليًا إن المسرح ليس حلمًا مؤجلًا إلى أن يكبروا، بل مساحة يمكن أن يبدأوا منها الآن.
خرجتُ من «فتّة ومقلوبة» وأنا أفكر في المفارقة الجميلة: ذهبت لأشجّع تلامذة، فاكتشفت أن التلامذة هم الذين يشجّعوننا على المضي قدمًا.
ساعة وربع تقريبًا مرّت من دون أن أشعر بها. وهذه، في المسرح، ليست مسألة بسيطة. حين يمرّ الوقت من دون أن تنظر إلى ساعتك، فهذا يعني أن الخشبة نجحت في أن تسحبك إلى عالمها.
ولعل أجمل ما يمكن قوله عن «فتّة ومقلوبة» أنها لا تقدّم لك وجبة مسرحية جاهزة؛ بل تضع أمامك طبقًا من الضحك، وتحت الضحك طبقة من الأسئلة، وتحت الأسئلة شيئًا من مرارة الواقع.
فتضحك أولًا… ثم تفكر.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة المسرح.
فالمسرح الذي يضحكك فقط قد يمنحك أمسية جميلة.
أما المسرح الذي يضحكك ويجعلك تفكر في نفسك ومجتمعك بعد أن تنتهي الستارة، فهو مسرح ترك شيئًا منك على الخشبة، وأخذ شيئًا من الخشبة معك إلى البيت.
وهذا، في رأيي، ما حاولت «فتّة ومقلوبة» أن تفعله… ونجحت في كثير من لحظاتها أن تفعله فعلًا.
تحية لرين صعب، لنور رجب، لماريا بشور، ولكل شاب وصبية وقفوا على تلك الخشبة.
وللمنتجين أقول: لا تكتفوا بالنظر إلى الضوء الموجود أصلًا. أحيانًا، أجمل ما في المسرح هو ذلك الضوء الذي لم يكتشفه أحد بعد.
#خدوني_ع_قد_عقلاتي
Awael News Magazine رئيس التحرير: عادل سميا
