قد يعرف الناس أسماء السياسيين، والمسؤولين، وأصحاب المناصب، لكن في بلدة كفرجوز، هناك اسمٌ يتردد على كل لسان، من دون أن يعرف أحد صاحبه.
ليس مسؤولًا، ولا صاحب منصب، ولا شخصيةً عامة، ولم يقف يومًا أمام كاميرا، ولم يطلب تصفيقًا أو شكرًا أو حتى أن يُذكر اسمه.
اختار أن يبقى مجهولًا بينما بقي أثره حاضرًا في حياة الناس.
لكن، لفهم كيف وُلدت حكاية “ملاك كفرجوز”، لا بد من العودة إلى البدايات
فبعد الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان، عاد أبناء كفرجوز إلى بلدتهم كما عاد آلاف الجنوبيين إلى قراهم؛ بيوت مدمرة، وشوارع مثقلة بآثار الحرب، وخدمات شبه غائبة، فيما كان الأهالي يواجهون يومياتهم بإمكانات محدودة وفي ظل غياب أي دور فعّال للجهات الرسمية.
وسط هذا الواقع، كان ابن البلدة رضا منصور يعيش، كسائر أبناء كفرجوز، مرارة الخسارة.
فقد دمّرت الحرب منزله، وأثقلت كاهله بأعباء إعالة عائلته، فيما بقي مصدر رزقه الوحيد محلًا متواضعًا لبيع الدجاج، يحاول من خلاله أن يبدأ من جديد بعد كل ما خلفته الحرب.
ورغم قسوة التجربة، لم يسمح لليأس أن ينتصر. وبينما كان كثيرون يبحثون عن طريقة لترميم بيوتهم، كان هو يبحث أيضًا عن وسيلة لترميم ما هو أكبر روح البلدة نفسها.
ومن هنا، خطرت له فكرة إنشاء مجموعة عبر تطبيق “واتساب” حملت اسم “كفرجوز بالقلب”، لتكون مساحة تجمع أبناء البلدة، إلى جانب العائلات النازحة إليها من القرى الأمامية، تحت راية واحدة عنوانها التعاون والتكافل.
بدأت المبادرة بخطوات بسيطة، من المساعدة في تنظيف المنازل وإزالة آثار الحرب، إلى إعداد لائحة بأسماء العمّال وأرقام هواتفهم لتسهيل التواصل مع كل من يحتاج إلى خدماتهم، قبل أن تتحول المجموعة إلى مساحة لدعم أصحاب المحال التجارية والمشاريع الصغيرة، وتشجيع أبناء البلدة على مساندة بعضهم بعضًا.
ولم يكتفِ رضا بذلك، بل أصر منذ اليوم الأول على أن تبقى المجموعة بعيدة عن أي خلاف سياسي، فكان يبادر إلى حذف أي نقاش من هذا النوع، ويذكّر المشتركين دائمًا بأن الهدف من “كفرجوز بالقلب” هو خدمة الناس، ونشر الخير، والحفاظ على وحدة أبناء البلدة.
حتى جاء الحدث الذي غيّر كل شيء…
إحدى المشتركات اقترحت جمع تبرعات بسيطة، كلٌّ بحسب قدرته، لتأمين زيارة إلى العتبات المقدسة في العراق عبر قرعة بين المشتركين.
بدأت التبرعات، لكن المبلغ لم يكن كافيًا، واضطر مدير المجموعة إلى الإعلان عن إلغاء المبادرة.
ولكن رسالة واحدة قلبت المشهد بأكمله:
أحد المشتركين قرر التكفل بكامل تكاليف الزيارة، لكنه وضع شرطًا واحدًا فقط “أن يبقى مجهول الهوية”.
أُجريت القرعة أمام الجميع، ووُثقت بالصوت والصورة، وسافر الفائز إلى العراق، فيما بقي اسم المتبرع سرًا لا يعرفه أحد.
عندها، أطلق عليه مدير المجموعة لقبًا أصبح لاحقًا حديث البلدة كلها
“ملاك كفرجوز”.
ولأن الخير الحقيقي لا يتوقف عند مبادرة واحدة، عاد “الملاك” ليظهر مجددًا، ولكن بالطريقة نفسها من خلف الستار.
فعندما كانت البلدة تستعد لتجهيز سيارة إسعاف لخدمة الأهالي، بقيت بحاجة لمبلغ ما لإستكمال المعدات الطبية.
تبرع الناس بما استطاعوا، لكن المبلغ لم يكتمل.
وفي اللحظة التي بدا فيها المشروع مهددًا بالتوقف، أعلن مدير المجموعة خبرًا جديدًا:
“ملاك كفرجوز” تكفل بالمبلغ المتبقي كاملًا.
مرة أخرى لا اسم، لا صورة، ولا ظهور علني ولا حتى كلمة شكر طلبها لنفسه
كل ما أراده أن تصبح سيارة الإسعاف جاهزة لخدمة الناس.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد “ملاك كفرجوز” مجرد لقب، بل أصبح رمزًا للعطاء الصامت، وحديث أبناء كفرجوز والقرى المجاورة، حتى تجاوز عدد أعضاء مجموعة “كفرجوز بالقلب” نحو الألف مشترك، وأصبحت تجربتها مثالًا على قدرة المجتمع الأهلي على النهوض عندما يتكاتف أبناؤه.
قد يظن البعض أن البطولة تحتاج إلى منصب أو شهرة أو أضواء.
لكن “ملاك كفرجوز” أثبت أن أعظم الأبطال هم أولئك الذين لا يعرفهم أحد.
اختار أن يخفي اسمه ليبقى الخير وحده ظاهرًا.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لم يعد الناس يبحثون عن هويته بقدر ما يدعون له.
فالأسماء قد تُنسى، أما الأثر الطيب، فيبقى حيًا في ذاكرة الناس، وفي كل ابتسامة صنعها، وكل باب أمل فتحه، وكل يدٍ امتدت بالعطاء من دون أن تنتظر مقابلًا.
Awael News Magazine رئيس التحرير: عادل سميا
