ليست مسرحية “الدب” مجرد اقتباس عن إحدى أشهر أعمال أنطون تشيخوف، بل تجربة مسرحية متكاملة تثبت أن النص الكلاسيكي يستطيع أن يولد من جديد عندما يقع بين أيدي فريق يعرف كيف يمنحه الحياة. في معالجة الكاتب ديمتري ملكي، وإخراج شادي الهبر، جاء العرض مشغولًا بعناية لافتة، حيث بدا واضحًا الاهتمام بأدق التفاصيل، من إيقاع المشاهد، إلى حركة الممثلين، والإضاءة، والسينوغرافيا، وصولًا إلى الصمت الذي كان يحمل دلالات لا تقل أهمية عن الحوار نفسه.
تميّز العرض بانسجام واضح بين جميع عناصره، وقدّم الممثلون ميسا حانوني يعفوري، وكريس غفري، وبولا مطران أداءً متوازنًا منح الشخصيات صدقًا وحيوية، إلا أن كريس غفري شكّل المفاجأة الأكبر في هذا العمل، مقدّمًا أداءً استثنائيًا يُعدّ من أبرز ما شهدته الخشبة في الفترة الأخيرة.
لم يكتفِ غفري بتجسيد الشخصية، بل غاص في أعماقها النفسية، وفكّك تناقضاتها الداخلية، ثم أعاد تركيبها أمام الجمهور بحرفية عالية. كل حركة جسدية كانت محسوبة، وكل نظرة حملت معنى، فيما جاء صوته أداة تمثيلية بحد ذاته، يتنقل بسلاسة بين الغضب والانفعال والسخرية والرقة، من دون أن يفقد لحظة واحدة صدق الإحساس. أما حضوره على المسرح فكان طاغيًا، يفرض نفسه بثقة وكاريزما، ويجذب انتباه الجمهور منذ لحظة دخوله وحتى إسدال الستارة.
تميز أداؤه بقدرته على المزج بين القوة والانكسار، وبين الكوميديا والدراما، من دون أي افتعال أو مبالغة، ما جعل الشخصية تبدو حقيقية بكل تناقضاتها الإنسانية. وقدّم نموذجًا للممثل الذي يستخدم جسده وصوته وتعابير وجهه كوحدة واحدة، فكان الأداء الجسدي متكاملًا مع الأداء الصوتي والانفعالي، في انسجام يعكس فهمًا عميقًا لفن التمثيل.
ما قدّمه كريس غفري لم يكن مجرد تمثيل، بل حالة مسرحية كاملة، استطاع من خلالها أن يصدم الجمهور بقوة حضوره ودقة تفاصيله، وأن يثبت امتلاكه أدوات ممثل محترف يعرف تمامًا كيف يبني الشخصية من الداخل قبل أن يقدّمها على الخشبة. إنه أداء يستحق الإشادة والتوقف عنده، لأنه أعاد التذكير بأن المسرح الحقيقي يبدأ عندما يختفي الممثل، ولا يبقى أمام الجمهور سوى الشخصية بكل نبضها وصدقها.
أما إخراج شادي الهبر، فجاء ذكيًا ومتماسكًا، فترك مساحة للممثلين للتألق، من دون أن يفقد سيطرته على إيقاع العرض أو رؤيته البصرية، ليخرج “الدب” كعمل متكامل يجمع بين السخرية والعمق والمتعة، ويؤكد أن المسرح اللبناني لا يزال قادرًا على تقديم عروض تحترم عقل المشاهد وتلامس وجدانه في آن واحد
Awael News Magazine رئيس التحرير: عادل سميا
