في زمنٍ باتت فيه بعض الشاشات منصّات لتصفية الحسابات أكثر مما هي مساحة للنقاش الحر، تبرز مواقف نادرة تعيد التذكير بمعنى الإعلام الحقيقي… وهنا تحديدًا، نتوقف عند ما حصل مع الإعلامي غدي بو موسى.
ما جرى خلال استضافته لإحدى المعالجات النفسيات على شاشة قناة الجديد لم يكن مجرّد مواجهة عابرة، بل اختبار حقيقي لمهنية الإعلامي وقدرته على إدارة الحوار بصدق وشفافية. حين واجه ضيفته بما كانت قد كتبته عنه سابقًا من انتقادات عبر مواقع التواصل، لم يكن ذلك بدافع الهجوم أو التقليل من شأنها، بل من منطلق حق مشروع: حق الرد، وحق المواجهة المباشرة بدل الكلام من وراء الشاشات.
المفارقة أن من لم تتحمّل المواجهة لم يكن الإعلامي، بل الضيفة التي اختارت مغادرة الاستوديو بدل الاستمرار في النقاش. وهنا تحديدًا، تنقلب المعادلة: هل المشكلة في من يواجه؟ أم في من لا يحتمل أن يُواجَه؟
“اقيلوا غدي بو موسى عن الهواء”… عبارة قد يراها البعض تصعيدية، لكنها في الواقع تختصر أزمة أعمق. لأن الإعلامي الذي يُطالب بإقالته اليوم هو نفسه الذي تجرأ على كسر المجاملات، ورفض أن يكون الحوار مجرّد ديكور. هو إعلامي لا يعمل “بالقفا”، بل يقول رأيه بالوجه، وهذا تحديدًا ما يزعج البعض.
غدي بو موسى لم يُهن ضيفته، لم يتجاوز حدود الأدب، ولم يسقط في فخ الاستفزاز. على العكس، تصرّف بمهنية عالية، وطرح سؤالًا مشروعًا بأسلوب مباشر، كما يفرض أي عمل إعلامي صادق. فهل المطلوب اليوم إعلاميون يمرّرون كل شيء بصمت؟ أم إعلاميون يملكون الجرأة ليقولوا الحقيقة كما هي؟
في زمن المجاملات القاتلة، يصبح الصوت الصريح تهمة. وفي زمن التلميع، تتحوّل المواجهة إلى جريمة. لذلك، إن كان المطلوب فعلًا “إقالة” غدي بو موسى، فربما السبب الوحيد هو أنه إعلامي لا يخاف… لا يساوم… ولا يختبئ خلف الكلمات.
وهنا تكمن المشكلة… وهنا تحديدًا تكمن قيمته
Awael News Magazine رئيس التحرير: عادل سميا
