الرئيسية / أخبار عربية / “ضاع شادي”… حين تصبح الذاكرة مسرحًا، وتصبح الحرب سيرةَ إنسان

“ضاع شادي”… حين تصبح الذاكرة مسرحًا، وتصبح الحرب سيرةَ إنسان

IMG_2610بقلم روي حرب 

في مسرحية «ضاع شادي»، لا يروي شادي الهبر حربَ الجبل في لبنان كما تُروى الحروب في كتب التاريخ؛ بل يعود إليها من مكان أكثر وجعًا: من ذاكرة الطفل الذي عاشها، ومن حياة الإنسان الذي بقي يحمل آثارها في داخله.

هنا التهجير ليس حدثًا عابرًا، بل اقتلاعٌ من المكان، ومن البيت، ومن الطفولة.
وهنا الذكريات ليست صورًا قديمة فحسب، بل حياة كاملة تتشبث بما تبقّى منها.

يتداخل الخاص بالعام، والشخصي بتاريخ الحرب اللبنانية، فتتحول سيرة شادي إلى مرآة لجيل كامل عاش الخوف، والنزوح، والانقسام، وفقدان الأمان.

ومن أجمل ما في العمل ذلك الربط بين الحمرا ولبنانها التاريخي؛ الحمرا التي لطالما كانت مساحة يلتقي فيها اللبنانيون على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم، في صورة تختصر لبنان الذي كان، وربما لبنان الذي ما زال ممكنًا.

ولا تكتفي المسرحية بالممثل والسينوغرافيا.
تدخل الصور، والإسقاطات الضوئية، والمقابلات المصوّرة مع عمة شادي سعاد، ووالده، وعدد من أفراد العائلة، لتصبح الخشبة مساحةً بين الوثيقة والاعتراف والذاكرة.
كأننا لا نشاهد مسرحية فحسب، بل نفتّش داخل ألبوم عائلي احترق بعضه، وبقي بعضه الآخر شاهدًا على ما حدث.

والجرأة الحقيقية في «ضاع شادي» تكمن في أن شادي الهبر لا يختبئ خلف شخصية متخيلة. يضع حياته الخاصة أمامنا بتجرّد نادر، وبحقيقة تكاد تكون قاسية في وضوحها. يفتح أبواب البيت والعائلة والخوف والطفولة، ويترك الجمهور أمام إنسان لا يحاول أن يجمّل ذاكرته ولا أن يبرّرها.

«احترقوا الصور واحترقت معن طفولتي.»
جملة تختصر أكثر من الحرب.
فالحرب لا تحرق البيوت وحدها؛ أحيانًا تحرق الصور التي كانت تحفظ طفولتنا، وتسرق منا القدرة على العودة إلى من كنّا، بل تحرق روحنا.

ثم تأتي الجملة الأكثر اختصارًا والأشد وقعًا: «الحرب أخدت طفولتي كلها.» لكن المسرحية لا تتركنا في العتمة.

«الخوف بلّش من عند بيّي، والحرب عزّزته كتير.»
هنا يصبح الخوف إرثًا ينتقل من جيل إلى جيل، وتصبح الحرب اللبنانية أكثر من تاريخ سياسي وعسكري؛ تصبح شيئًا يسكن في الذاكرة، وفي العائلة، وفي طريقة الإنسان في النظر إلى الحياة.

وفي لحظة من أكثر لحظات العرض تأثيرًا، وسط مشاهد الاجتياح الإسرائيلي، تأتي العبارة: «ما تخافوا… صلّوا للعدرا.»، تصدح فيروز بـ «يا أم الله»، فتتوقف الحرب لحظةً أمام الصلاة وتمتزج مشاهد الحرب الخارجية بالحرب النفسيّة الداخليّة، ويصبح الصوت ذاكرةً جماعية تتجاوز الطائفة والمكان.
إنها لحظة تختصر شيئًا من لبنان: الخوف والإيمان، الموت والحياة، الحرب والأغنية.

«ضاع شادي» مسرحية تسرق الغصّة من القلب، والدمعة من العين، والضحكة من الحزن.
تجعلك تضحك، لا لأن ما ترويه مضحك، بل لأن الإنسان، حتى في أقسى لحظاته، يبحث عن نافذة صغيرة يطل منها على الحياة.

وربما تكمن قيمة هذا العمل الكبرى في أنه لا يريد فقط أن نتذكر الحرب، بل أن نوثّق أثرها الإنساني، فالتاريخ لا يُكتب فقط بالمعارك والاتفاقيات وأسماء السياسيين. التاريخ يُكتب أيضًا بطفلٍ خاف، وبعائلةٍ تهجّرت، وبصورةٍ احترقت، وبأب حاول أن يحمي أبناءه، وبأمٍّ صلّت، وبأغنيةٍ بقيت تصدح وسط القصف.

لهذا يمكن لـ «ضاع شادي» أن يكون حجرًا يُضاف إلى بناء كتاب التاريخ الحديث للبنان؛ لا لأنه يقدم روايةً نهائية للحرب، بل لأنه يحفظ شيئًا لا تستطيع كتب التاريخ وحدها أن تحفظه: ذاكرة الإنسان.

فربما لم يضع شادي وحده.
ربما الذي ضاع هو جيلٌ كامل، يبحث منذ عقود عن طفولته بين صورٍ احترقت، وبيوتٍ تغيّرت، وذاكرةٍ لم تعرف يومًا كيف تنسى.

«ضاع شادي» ليست فقط مسرحية عن الحرب.
إنها مسرحية عن الإنسان الذي بقي حيًّا بعدها.

#خدوني_ع_قد_عقلاتي
د. روي حرب

عن cmslgn

شاهد أيضاً

Screenshot

معتصم النهار في «الموريكس دور»… لم يكن إعلامياً وهذا كان سرّ نجاحه

عادل سميا – اوائل نيوز  انتهى حفل الموريكس دور، لكن الحديث عنه لم ينتهِ بعد، …