ليس كل من جلس أمام الكاميرا أصبح إعلاميًا، وليس كل من رفع سقف صوته امتلك الجرأة، وليس كل من استضاف شخصية غاضبة قدّم حوارًا يستحق المشاهدة.
في زمن بات فيه الضجيج أسرع انتشارًا من المعلومة، والاستفزاز أسهل من التحضير، يبرز سؤال مهني يستحق التوقف عنده: ما الذي يفصل الحوار الإعلامي الحقيقي عن مجرد إتاحة الهواء لتبادل الاتهامات والانطباعات الشخصية؟
هذا السؤال يفرض نفسه عند النظر إلى الأسلوب الحواري الذي يعتمده تمام بليق، وهو أسلوب يثير، في رأينا، إشكاليات تتجاوز حدود الجرأة التي يُسوَّق لها عادةً بوصفها إنجازًا إعلاميًا.
فالجرأة ليست في إحراج الضيف، ولا في تحويل خلافاته إلى مادة تلفزيونية، ولا في ترك الاتهامات تتراكم أمام الكاميرا. الجرأة الحقيقية أن يواجه المحاور ضيفه بالسؤال الذي لا يرغب في سماعه، وأن يطالبه بالدليل، وأن يمنح الطرف الغائب حقه في عرض الوقائع.
أما أن يتحوّل الحوار إلى مساحة يغيب عنها التوازن، فهنا لا نكون أمام انتصار لحرية التعبير، بل أمام سؤال جدي عن المسؤولية المهنية.
الـLBCI ليست إمبراطورية تنهار بمجرد إعلان ذلك!
من حق أي ضيف أن ينتقد المؤسسة اللبنانية للإرسال، وأن يختلف مع إدارتها أو سياستها البرامجية أو خياراتها الإنتاجية.
لكن ثمة فارقًا كبيرًا بين نقد مؤسسة إعلامية وبين إطلاق أحكام شاملة على مستقبلها انطلاقًا من تجارب فردية أو مواقف شخصية.
فالقول إن مؤسسة إعلامية بحجم الـLBCI تعيش انهيارًا ليس حقيقة تثبتها عبارة مثيرة في مقابلة تلفزيونية. إنه ادعاء يحتاج إلى مؤشرات وأرقام ووقائع.
وإذا كانت هناك أخطاء، فلتُناقش بالأدلة. وإذا كانت هناك قرارات غير موفقة، فلتُعرض في سياقها. أما اختزال تاريخ مؤسسة إعلامية ومسيرتها في توصيفات درامية، فهو تبسيط لا يليق بحوار يُفترض أنه جاد.
المؤسسات لا تسقط لأن ضيفًا أعلن سقوطها، ولا تنهار لأن مقدّم برنامج وجد في العبارة عنوانًا جذابًا.
والأهم أن التجربة الشخصية، مهما كانت قاسية أو محبطة، لا تتحوّل تلقائيًا إلى حقيقة عامة تنطبق على الجميع.
الموريكس دور… بين حق الانتقاد وواجب الإنصاف
ولأن الانتقاد طال أيضًا حفل الموريكس دور، فلا بد من وضع بعض الأمور في نصابها.
لا أحد يدّعي أن أي حفل فني محصّن من الملاحظات. ولا أحد يستطيع فرض ذوق كوميدي واحد على جميع المشاهدين.
قد لا تعجب البعض فقرة باسم فغالي. وقد يرى مشاهد أنها كانت أطول مما ينبغي، فيما يستمتع آخرون بما قدّمه. هذا اختلاف مشروع في التلقي والتقييم.
لكن الحكم على عرض فني يتطلب أكثر من تعليق عابر.
باسم فغالي فنان صاحب تجربة طويلة في التقليد والاستعراض، وقد كرّمه الموريكس دور 2026 بجائزة «الموهبة الاستثنائية». ويمكن مناقشة مستوى فقرته ومدتها وإيقاعها من دون الانتقاص من تاريخه أو تحويل الرأي الشخصي إلى حكم فني نهائي.
أما مسألة طول الحفل، فهي ملاحظة قابلة للنقاش، بل وربما تستحق مراجعة إنتاجية جدية.
لكن السؤال الذي يستحق طرحه هو: هل نعتمد المعايير نفسها عندما ننتقد جميع حفلات الجوائز، أم تتبدّل درجة التسامح بحسب اسم الحفل والجهة المنظمة؟
فالمصداقية لا تُقاس بقسوة الكلام، بل بعدالة المعيار.
تمام بليق… السؤال ليس عمّن تستضيف، بل كيف تحاور!
ليس مطلوبًا من تمام بليق أن يدافع عن الـLBCI، ولا عن الموريكس دور، ولا عن أي مؤسسة أخرى.
وليس مطلوبًا منه أن يختار ضيوفًا راضين عن الجميع.
على العكس، من حقه أن يستضيف المنتقدين وأصحاب التجارب الخلافية، وأن يطرح أكثر الأسئلة إحراجًا.
لكن المطلوب منه، كما من أي محاور، ألا يخلط بين إعطاء الضيف فرصة الكلام وبين التسليم بصحة كل ما يقوله.
عندما يوجّه ضيف انتقادًا قاسيًا إلى مؤسسة، ينبغي أن يسأله المحاور عن الوقائع التي يستند إليها.
وعندما يطلق حكمًا عامًا، ينبغي أن يسأله عن حدود تجربته الشخصية.
وعندما يتحدث عن فشل أو انهيار، ينبغي أن يطلب منه تفسيرًا يتجاوز الانطباعات.
هنا يظهر الفرق بين إعلامي يصنع حوارًا وإعلامي يكتفي بإدارة الضجيج.
فالضيف يستطيع أن يقول ما يشاء ضمن حدود القانون، لكن المحاور مسؤول عن نوعية الأسئلة التي يطرحها، وعن الأسئلة التي يختار ألا يطرحها أيضًا.
الشهرة ليست شهادة مهنية… والاستفزاز ليس إنجازًا!
قد تنجح مقابلة مثيرة في تحقيق انتشار واسع، وقد تنتشر مقتطفاتها عبر مواقع التواصل، وقد تصبح عباراتها مادة للجدل لأيام.
لكن الانتشار لا يثبت وحده جودة العمل الإعلامي.
فليس كل ما يثير اهتمام الجمهور يضيف شيئًا إلى معرفته، وليس كل مواجهة تلفزيونية تكشف حقيقة.
والإعلام الذي يريد أن يحتفظ بقيمته لا يستطيع الاكتفاء بإنتاج العناوين الصاخبة.
إنه يحتاج إلى بحث وتحضير وتدقيق وتوازن، وإلى محاور يعرف متى يضغط على ضيفه، ومتى يطالبه بالإثبات، ومتى يرفض تحويل الانطباع الشخصي إلى حقيقة مطلقة.
وفي حالة تمام بليق، يبقى السؤال المهني الأهم: هل الهدف من الحوار أن يخرج المشاهد بصورة أوضح عن الحقيقة، أم أن يخرج بمقطع أكثر قابلية للانتشار؟
إنه سؤال يستحق إجابة، لا مجرد عنوان جديد.
في النهاية، لا تحتاج الـLBCI إلى شهادة حسن سلوك من برنامج حواري، كما لا يحتاج الموريكس دور إلى موافقة كل منتقد كي يستمر.
كلاهما قابل للنقد والمحاسبة، تمامًا كما أن البرامج الحوارية ومقدّميها قابلون للمساءلة المهنية.
لكن ثمة حقيقة لا ينبغي أن تضيع وسط الصخب:
من حق الإعلامي أن يسأل عن سقوط المؤسسات، لكن من حق الجمهور أيضًا أن يسأل عن سقوط المعايير الإعلامية.
وحين يصبح الصوت العالي بديلًا عن السؤال الذكي، لا يعود السؤال: من هو الضيف المقبل؟
بل يصبح:
أين انتهى الحوار… وأين بدأ الاستعراض؟
Awael News Magazine رئيس التحرير: عادل سميا
